الجاحظ

276

البخلاء

كان الأصمعي يقول : قد كان للعرب كلام على معان ، فإذا ابتدلت تلك المعاني لم يتكلم بذلك الكلام . فمن ذلك قول الناس اليوم : « ساق إليها صداقها » . وإنما كان هذا يقال حين كان الصّداق إبلا وغنما . وفي قياس قول الأصمعي أن أصحاب التمر ، الذين كان التمر دياتهم ومهورهم ، كانوا لا يقولون : ساق فلان صداقه » . قال : ومن ذلك قول الناس اليوم : « قد بنى فلان البارحة على أهله « وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبّته وخيمته ، وذلك هو بناؤه . ولذلك قال الأول : لو نزل الغيث لأبنين امرءا كانت له قبّة سحق بجاد « 1 » وكان الأصمعي يعدّ من هذا أشياء ليس لذكرها ههنا وجه . ومن طعامهم الوكيرة ، وهو طعام البناء . كان الرجل يطعم من يبني له ، وإذا فرغ من بنائه تبرّك بإطعام أصحابه ودعائهم . ولذلك قال قائلهم : خير طعام شهد العشيرة العرس والإعذار والوكيرة ويسمّون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم : « النقيعة » . قال الشاعر : إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ضرب القدار نقيعة القدّام « 2 » و « العقيقة » دعوة على لحم الكبش الذي يعقّ عن الصبي « 3 » . والعقيقة اسم للشعر نفسه ، والأشعار هي العقائق . وقولهم : عقّوا عنه

--> « 1 » الغيث : المطر . ابنين امرأ : جعلته يبني بيتا كان له قبة وسحق : خرّب . والبجاد : الكساء . « 2 » القدار : الجزار . والقدّام : القادمون من السفر والنقيعة : ما ذبح من الإبل . « 3 » اي يذبح عند حلق شعره .